الشيخ محمد رشيد رضا
426
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أو تمرد واستكبر عن الطاعة ثم وصفه وصفا آخر فقال * * * لَعَنَهُ اللَّهُ واللعن عبارة عن الطرد والابعاد مع السخط والإهانة والخزي ، اي أبعده اللّه عن مواقع فضله وتوفيقه وموجبات رحمته . اي انهم ما يدعون إلا ذلك الشيطان المريد الملعون الذي هو داعية الباطل والشر في نفس الانسان بما يوسوس في صدره ويعده ويمنيه كما بينه قوله تعالى وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً الخ النصيب الحصة والسهم من الشيء وهو ليس نصا في قلة ولا كثرة وقد يتبادر منه القلة ، والمفروض المعين وأصله من الفرض والحزّ في الخشبة كما بيناه في أوائل السورة ومنه الفرض في العطاء . يحتمل ان يكون هذا النصيب طائفة الذين يضلهم ويغويهم ويزين لهم الشرك والمعاصي ، وان يكون حظه من نفس كل فرد من افراد الناس وهو الاستعداد الفطري للباطل والشر المقابل للاستعداد الفطري للحق والخير وهو المختار . قال الأستاذ الامام : النصيب المفروض هو ما للشيطان في نفس كل أحد من الاستعداد للشر الذي هو أحد النجدين في قوله تعالى « وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ » فهذا هو عون الشيطان على الانسان ، وهو عام في الناس حتى المعصومين ، ولكن أخبرنا اللّه تعالى انه ليس له سلطان على عباده المخلصين ، فإذا هو زين لهم شيئا لا يغلبهم على عمله ، فما من إنسان الا ويشعر من نفسه بوسوسة الشيطان فإن لم يكن بالشرك فبالمعصية والاصرار عليها أو الرياء في العبادة اه أقول وقد ورد في القرآن والحديث الصحيح ما يؤيد هذا وسنذكره ان شاء اللّه تعالى في موضع آخر من التفسير وهذا القول وأمثاله في القرآن المجيد في مخاطبة إبليس مع البارئ جل وعلا هو من الأقوال التكوينية اي التي يعبر بها عن تكوين العالم وما خلقه اللّه عليه كقوله تعالى ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فقوله تعالى هذا للسماء والأرض قول تكويني لا تكليفي فهو من قبيل قوله للشيء « كُنْ فَيَكُونُ » * وقولهما أَتَيْنا طائِعِينَ تكويني أيضا فهو عبارة عن كونهما وجدتا كما أراد اللّه تعالى ان توجدا عليه كما يجيب العبد العاقل نداء